أكد خبراء وأكاديميون ومتخصصون في الذكاء الاصطناعي أن الثورة الرقمية لم تستبعد التخصصات التقليدية التطبيقية عن عرش البرامج الجامعية الأعلى كلفة، إذ لايزال أكثر من 12 تخصصاً جامعياً «تطبيقياً» تتصدر قائمة البرامج «الأعلى كلفة»، منها الطب البشري، وطب الأسنان، والصيدلة، والطب البيطري، والطيران، والهندسة، والعمارة، والقانون، وإدارة الأعمال الدولية، والفنون الإبداعية، التي تستحوذ على أعلى رسوم دراسية عالمياً.
وأوضحوا أن هذه التخصصات حافظت على مكانتها رغم التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، نظراً إلى اعتمادها على المختبرات المتخصصة والتدريب السريري، والمحاكاة المتقدمة والتجهيزات التقنية المكلفة.
وكشف رصد، أجرته «الإمارات اليوم»، أن الذكاء الاصطناعي، رغم تأثيره العميق في إعادة تشكيل أساليب التعلم والتدريب الجامعي، لم يتمكن من كسر معادلة التخصصات الأعلى كلفة، فما زالت بعض برامج الطب البشري تسجل رسوماً سنوية تصل إلى 160 ألف درهم، بينما تراوح رسوم بعض برامج هندسة الطيران وصيانة الطائرات بين 90 و98 ألف درهم سنوياً، وتقفز كلفة بعض مسارات تدريب الطيارين التجاريين إلى مئات الآلاف من الدراهم.
وتتفق هذه المؤشرات مع بيانات وتقارير دولية صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومؤسسة «QS» العالمية لتصنيف الجامعات التي تؤكد استمرار تصدر التخصصات الطبية، والطيران والهندسة وبعض البرامج التقنية المتقدمة، قائمة البرامج الأكاديمية الأعلى كلفة عالمياً، رغم التوسع المتسارع في التعليم الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
انخفاض الكلفة
ورأى أكاديميون أن الاعتقاد السائد بأن التحول الرقمي سيقود تلقائياً إلى خفض تكاليف التعليم لا ينطبق على جميع التخصصات، خصوصاً تلك التي تعتمد على التدريب العملي والبنية التحتية المتخصصة.
وقال الخبير الأكاديمي الأستاذ المساعد بجامعة زايد، الدكتور أحمد آل علي لـ«الإمارات اليوم»، إن كثيرين توقعوا أن يقود الذكاء الاصطناعي إلى خفض كلفة التعليم العالي، إلا أن هذا التصور لا ينطبق على التخصصات التطبيقية الكبرى، مثل الطب والهندسة والطيران.
وأوضح أن كلفة هذه البرامج لا ترتبط بالمحاضرات أو المحتوى التعليمي فقط، بل بمنظومة متكاملة تشمل المختبرات والأجهزة المتخصصة والمستشفيات التعليمية والتدريب السريري، وأجهزة المحاكاة، وساعات التدريب العملي ومتطلبات السلامة والاعتماد الأكاديمي، وهي عناصر لا يمكن للتكنولوجيا أن تلغيها.
وأضاف أن تخريج طبيب أو طيار أو مهندس لايزال يعتمد على التدريب الميداني المباشر واكتساب المهارات العملية المعتمدة، إلى جانب الالتزام بمعايير الاعتماد المهني التي تفرضها الجهات التنظيمية المختصة.
وأشار إلى أن الطلب العالمي المستمر على الأطباء والمهندسين والطيارين، يعزز أهمية هذه التخصصات ويحافظ على قيمتها الأكاديمية والمهنية، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة داعمة للمختصين وليس بديلاً عنهم.
وقال: «قد تسهم التكنولوجيا في خفض كلفة بعض المواد النظرية وأدوات التعلم والمحاكاة الأولية، لكن الجزء الأعلى كلفة في هذه البرامج يرتبط بالتدريب العملي والبنية التحتية المتخصصة، وباختصار، نجح الذكاء الاصطناعي في خفض كلفة نقل المعرفة، لكنه لم يخفض كلفة اكتساب المهارة المهنية المعتمدة، وهي الجزء الأغلى في تخصصات الطب والهندسة والطيران».
مبالغ ضخمة في التقنيات
من جانبه، أوضح الخبير التربوي الدكتور سعيد الكعبي لـ«الإمارات اليوم»، أن الجامعات استثمرت خلال السنوات الأخيرة مبالغ ضخمة في تقنيات المحاكاة الذكية والواقع الافتراضي والأنظمة الرقمية المتقدمة، الأمر الذي أضاف أعباء مالية جديدة بدلاً من أن يقلصها.
وأضاف: «التعليم الطبي والهندسي والطيران لا يعتمد على المحاضرات النظرية فقط، بل يحتاج إلى مختبرات وتجهيزات تقنية متطورة وتدريب عملي مستمر، وهي عناصر مرتفعة الكلفة، لا يمكن الاستغناء عنها مهما تطورت التكنولوجيا».
وأضاف أن الجامعات أصبحت مطالبة بتحديث أجهزتها ومنصاتها بصورة مستمرة، لمواكبة التطورات المهنية والتقنية المتسارعة، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة تشغيل البرامج الأكاديمية.
وقال إن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من التعليم الطبي الحديث، لكنه لم يلغِ الحاجة إلى التدريب السريري المباشر، مضيفاً: «يمكن للطالب الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في التشخيص وتحليل البيانات الطبية، لكن اكتساب المهارات السريرية والتعامل مع المرضى يتطلبان تدريباً واقعياً، لا يمكن استبداله بالكامل بالتكنولوجيا».
الهندسة في ثوب رقمي جديد
أكد الخبير الأكاديمي والأستاذ بكليات التقنية العليا الدكتور أحمد الجنابي، أن البرامج الهندسية كانت من أكثر التخصصات تأثراً بالتحولات الرقمية المتسارعة، إذ أعادت الجامعات خلال السنوات الأخيرة تصميم مناهجها ومختبراتها لمواكبة متطلبات الثورة الصناعية الرابعة.
وأوضح أن الهندسة الحديثة لم تعد تقتصر على التخصصات التقليدية، بل أصبحت تضم مجالات متقدمة، مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والطباعة ثلاثية الأبعاد، والطاقة المتجددة والأنظمة الذكية، الأمر الذي فرض على المؤسسات الأكاديمية استثمارات كبيرة في المختبرات الذكية والبنية التحتية التقنية ومنصات المحاكاة المتطورة. وقال الجنابي: «كان البعض يتوقع أن تؤدي التكنولوجيا إلى خفض كلفة التعليم الهندسي، لكن ما حدث هو العكس تماماً، إذ رفعت التقنيات الحديثة سقف المتطلبات الأكاديمية والتجهيزات الفنية اللازمة لإعداد مهندسين قادرين على العمل في بيئات صناعية رقمية متقدمة، ما جعل الاستثمار في المختبرات والتجهيزات والتدريب المتخصص أكثر أهمية من أي وقت مضى».
الطيران
وأشار الجنابي إلى أن قطاع الطيران يمثل نموذجاً واضحاً للتخصصات التي لم تنجح الرقمنة في خفض كلفتها، موضحاً أن تأهيل الطيارين والكوادر الفنية لايزال يعتمد على ساعات الطيران الفعلية، وأجهزة المحاكاة عالية الدقة، وبرامج التدريب المتخصصة التي تتطلب استثمارات مالية ضخمة، وأضاف أن التحول الرقمي الذي يشهده قطاع الطيران عالمياً لم يقلص كلفة التأهيل الأكاديمي والمهني، بل فرض متطلبات جديدة مرتبطة بتدريب الطلبة على أنظمة الطيران الذكية، وتقنيات التشغيل الحديثة وإدارة البيانات والسلامة الجوية، الأمر الذي زاد حجم الاستثمارات المطلوبة للحفاظ على جودة البرامج ومواكبة التطورات المتسارعة في الصناعة.
أساليب التدريس
وقال خبير الذكاء الاصطناعي الدكتور محمد عبدالظاهر، إن تأثير الذكاء الاصطناعي في التخصصات الأعلى كلفة، لم يقتصر على تحديث أساليب التدريس، بل امتد إلى إعادة تشكيل طبيعة المهارات المطلوبة داخل هذه التخصصات، وأوضح أن كليات الطب والهندسة والطيران لم تعد تكتفي بتدريس المعارف التقليدية، بل أصبحت تدمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأنظمة الذكية ضمن مناهجها، لإعداد خريجين قادرين على العمل في بيئات مهنية تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا المتقدمة.
وأضاف أن القطاع الطبي يشهد تحولاً كبيراً بفضل استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الطبية، ودعم التشخيص المبكر والتنبؤ بالمخاطر الصحية، في حين تستفيد التخصصات الهندسية من تقنيات التصميم الذكي والمحاكاة الرقمية وتحليل البيانات الضخمة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من أنظمة الطيران الحديثة وإدارة الحركة الجوية والصيانة التنبؤية للطائرات، وأكد أن هذه التحولات فرضت على الجامعات تحديث مناهجها ومختبراتها وتجهيزاتها بصورة مستمرة، لمواكبة التطورات المتسارعة.
رفع سقف المهارات المطلوبة
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يقلل أهمية العنصر البشري في هذه المهن، بل رفع سقف المهارات المطلوبة من الخريجين، موضحاً أن طبيب المستقبل أو مهندس المستقبل أو طيار المستقبل لن يُطلب منه فقط إتقان تخصصه الأساسي، وإنما القدرة أيضاً على التعامل مع الأنظمة الذكية وفهم مخرجاتها، واتخاذ القرار المهني السليم بناء عليها، وقال إن الجامعات تتجه اليوم إلى تخريج كوادر قادرة على العمل جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي، وليس منافسته أو استبداله.
معادلة تحكم التخصصات التطبيقية
أجمع خبراء وأكاديميون على أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي أحدثا تحولاً جذرياً في أساليب التدريس والتعلم داخل مؤسسات التعليم العالي، لكنهما لم ينجحا حتى الآن في كسر معادلة أساسية تحكم التخصصات التطبيقية الكبرى، فكلما ارتفعت متطلبات المختبرات المتخصصة والتدريب السريري، والمحاكاة المتقدمة والتجارب الميدانية، ارتفعت معها كلفة البرنامج الأكاديمي.
وتعكس هذه المعادلة استمرار هيمنة 12 تخصصاً جامعياً على قائمة البرامج الأكاديمية الأعلى كلفة عالمياً، وفقاً لتقارير دولية متخصصة، تشمل الطب البشري، وطب الأسنان، والصيدلة، والعلوم الصحية، والطيران وعلوم الطيران التجاري، والهندسة الميكانيكية وهندسة الطيران والروبوتات، إلى جانب هندسة البرمجيات والذكاء الاصطناعي في بعض الجامعات التقنية المتقدمة، كما تضم القائمة تخصصات العمارة والتصميم المعماري، والقانون وإدارة الأعمال الدولية، وبرامج MBA، والطب البيطري، والدراسات السينمائية والفنون والتصميم الإبداعي، وهي برامج تتطلب استثمارات كبيرة في المختبرات والاستوديوهات والتجهيزات التقنية، والتدريب العملي والاعتمادات المهنية، ما يفسر استمرار تصدرها قائمة التخصصات الأعلى رسوماً، رغم التوسع المتسارع في التعليم الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
