الإمارات اليوم

ولائم العيد.. كرم مبالغ فيه يتحوّل إلى هدر يضر البيئة



حذّر متخصصون في البيئة والتغذية والتربية والاقتصاد، من تصاعد ظاهرة هدر الطعام خلال أيام عيد الأضحى، مع امتلاء حاويات النفايات بكميات كبيرة من الأطعمة المطهية الناتجة عن الولائم والعزائم العائلية، في مشهد يتكرر سنوياً، لكنه يخفي وراءه أزمة بيئية ومناخية متفاقمة تتجاوز حدود الإسراف الغذائي إلى الانبعاثات والتلوث واستنزاف الموارد الطبيعية.

وقالوا لـ«الإمارات اليوم»، إن هدر الطعام من أخطر «الانبعاثات الخفية» المرتبطة بالتغير المناخي، خصوصاً في المواسم والأعياد، مؤكدين أن ما يُلقى في حاويات النفايات لا يعني فقدان الطعام فقط، بل إهدار منظومة كاملة من الموارد تشمل المياه والطاقة والنقل والتبريد والتخزين والإنتاج.

بقايا الطعام المتراكمة

وفي التفاصيل، قال مختصون في التغذية وسلامة الغذاء والبيئة لـ«الإمارات اليوم»، إن بقايا الطعام المتراكمة في المكبات تتحوّل إلى مصدر لغاز «الميثان»، أحد أخطر الغازات المسببة للاحتباس الحراري، مؤكدين أن آثار الطعام المهدور لا تتوقف عند لحظة التخلص منه، بل تمتد إلى البيئة عبر انبعاثات وتلوث وضغوط بيئية متزايدة.

وأشاروا إلى أن بعض الممارسات الخطأ خلال عيد الأضحى، مثل سوء تخزين اللحوم وترك الأطعمة خارج التبريد لفترات طويلة أو إعادة تسخينها بشكل متكرر، ترفع من مخاطر التلوث الغذائي والتسمم، داعين الأسر إلى تقسيم الطعام في عبوات صغيرة، وتبريده سريعاً، وتجنب الطهي المفرط الذي يؤدي إلى فائض غير مستهلك.

ربط الكرم بالإسراف

وأكدت أخصائية التغذية سمية خضر، أن بعض الأسر لاتزال تربط الكرم بالإفراط والمبالغة في إعداد الطعام، ما يؤدي إلى تجهيز كميات تفوق الاحتياج الفعلي بأضعاف، لتنتهي نسبة كبيرة منها في النفايات بعد ساعات قليلة من الولائم.

وأوضحت أن عيد الأضحى يشهد سنوياً ارتفاعاً في معدلات هدر اللحوم والأطعمة المطهية، نتيجة كثرة الولائم والعزائم، إلى جانب الشراء العشوائي والعروض الاستهلاكية التي تدفع بعض الأسر إلى اقتناء كميات تفوق احتياجاتها.

وأشارت إلى أن جزءاً كبيراً من الطعام المهدور يكون صالحاً للاستهلاك، إلا أن ضعف التخطيط وغياب ثقافة حفظ الفائض وإعادة توزيعه يؤديان إلى التخلص منه سريعاً، لافتة إلى أن رمي قطعة لحم واحدة يعني إهدار موارد ضخمة تشمل المياه والطاقة المستخدمة في الإنتاج والنقل والتخزين والطهي.

ودعت إلى التخطيط المسبق للوجبات وتحديد الكميات وفق عدد الأفراد، مع حفظ الفائض بشكل صحيح، أو إعادة استخدامه أو التبرّع به عبر الجمعيات وبنوك الطعام، بدلاً من التخلص منه.

الأطفال وثقافة الاستهلاك

وأكدت التربوية الدكتورة حصة الطنيجي، أن الأطفال يكتسبون سلوكهم الغذائي من البيئة المنزلية، موضحة أن مشاهد الإسراف ورمي الطعام بعد المناسبات ترسّخ لديهم ثقافة الاستهلاك المفرط وعدم تقدير النعمة.

وأضافت أن تكرار هذه المشاهد يجعل فائض الطعام سلوكاً مألوفاً لدى الأطفال، ما يستدعي تعزيز الوعي الأسري بمفاهيم الاستدامة وربط الأبناء بقيمة الغذاء منذ الصغر. وشددت على أهمية إشراك الأطفال في التخطيط للشراء وحساب الكميات، وتوعيتهم بالأثر البيئي والمناخي لهدر الطعام، معتبرة أن المناسبات تمثل فرصة عملية لغرس مفاهيم الاستهلاك المسؤول داخل الأسرة.

سلوك غذائي مسؤول

من جانبها، قالت التربوية أماني حجير، إن بناء السلوك الغذائي المسؤول يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية داخل المنزل، مثل تحديد الكميات المناسبة، وحفظ الطعام المتبقي، وتجنب الطهي الزائد خلال المناسبات.

وأكدت أهمية إشراك الأطفال في فرز الفائض الغذائي والتبرع بالأطعمة الصالحة، لما لذلك من دور في تعزيز قيم العطاء والوعي البيئي، وبناء جيل أكثر إدراكاً لخطورة الهدر الغذائي.

الميثان الصامت

وقال خبير الاستدامة البروفيسور ربيع رستم، إن النفايات العضوية الناتجة عن بقايا الطعام تُعد من أبرز مصادر غاز الميثان، وهو من الغازات شديدة التأثير في الاحتباس الحراري مقارنة بثاني أكسيد الكربون، ما يجعل هدر الطعام قضية مناخية مباشرة وليست سلوكاً استهلاكياً فقط. ودعا إلى تبني ممارسات يومية بسيطة للحد من الهدر، مثل شراء الاحتياجات الفعلية فقط، وتقليل فائض الولائم، وإعادة استخدام الطعام أو التبرع به قبل تلفه، مؤكداً أن هذه الخطوات تُعد من أكثر الإجراءات الفردية فاعلية في خفض الانبعاثات.

كما شدد على أهمية فرز النفايات العضوية وتشجيع مبادرات إعادة التدوير وتحويل بقايا الطعام إلى سماد عضوي، بما يسهم في تقليل تراكمها داخل المكبات والحد من انبعاث غاز الميثان.

المطاعم والبوفيهات المفتوحة

وأكد خبراء ومتخصصون أن بعض المطاعم والبوفيهات المفتوحة تسهم في تفاقم الظاهرة خلال الأعياد، نتيجة إعداد كميات تفوق الطلب الفعلي، إلى جانب سلوكيات استهلاكية تدفع الزبائن إلى طلب كميات أكبر من حاجتهم.

وأوضحوا أن جزءاً من الأطعمة الجاهزة يُهدر يومياً رغم صلاحيته، ما يستدعي تعزيز التعاون مع بنوك الطعام والجمعيات الخيرية لإعادة توزيع الفائض بشكل آمن ومنظم.

وأشاروا إلى أن دولة الإمارات تطبق مجموعة من المبادرات والسياسات للحد من هدر الطعام، تشمل حملات التوعية المجتمعية، ودعم بنوك الطعام، وتشجيع إعادة توزيع الفائض من المطاعم والفنادق، إضافة إلى ترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول وخفض الانبعاثات وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

خسائر اقتصادية وبيئية

وأكد خبير الاقتصاد الدكتور جمال السعيدي، أن هدر الطعام يستنزف ميزانيات الأسر بشكل ملحوظ، خصوصاً خلال المواسم والأعياد، حيث يتم التخلص من كميات من الأغذية التي تم إنفاق مبالغ كبيرة عليها دون استفادة فعلية.

وأضاف أن الخسائر تمتد إلى الاقتصاد عبر سلسلة الإنتاج والتوريد والنقل والتخزين، ما يجعل القضية ذات بعد اقتصادي وبيئي متداخل.

ودعا إلى تحويل عيد الأضحى من موسم للاستهلاك المفرط إلى فرصة لترسيخ مفهوم «الكرم المستدام»، مؤكداً أن قيمة الكرم لا تُقاس بكمية الطعام المهدور، بل بحسن إدارته والاستفادة منه.




اقرأ على الموقع الرسمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى