«انتبه لما تقوله، فالجدران لها آذان».. عبارة قد تتردد همساً بين زملاء العمل، بعدما أصبح وجود «عصفور المدير» هاجساً لدى بعضهم، في ظل مخاوف من وصول أحاديثهم اليومية وملاحظاتهم المهنية، وحتى تفاصيل خلافاتهم الشخصية، إلى المديرين بصورة مغايرة لسياقها الأصلي، ليتحول المكتب من مساحة للعمل والتعاون وتبادل الآراء، إلى مكان تُحسب فيه الكلمات قبل النطق بها، خشية أن تجد طريقها إلى مكتب المدير على لسان زميل يجيد نقل الأحاديث أكثر من إنجاز المهام.
وأكد موظفون في جهات حكومية وخاصة أن بعض زملائهم يتخذون من نقل الأحاديث إلى الإدارة وسيلة للتقرب من المسؤولين وكسب ثقتهم، وربما التأثير في قراراتهم تجاه بقية الموظفين، مشيرين إلى أن المشكلة لا تكمن دائماً في الشخص الذي ينقل الكلام، بل في المسؤول الذي يمنحه أهمية، ويستمع إلى رواياته من دون التحقق منها، حتى يصبح «العصفور» مصدراً غير رسمي للمعلومات داخل المؤسسة، يحظى بثقة الإدارة.
وأوضحوا أن وجود هذه الشخصية يدفع الموظفين إلى توخي الحذر في أحاديثهم، ويخلق حساسيات بينهم، خصوصاً عندما يفاجأ أحدهم باستدعائه لمناقشة كلام قاله خلال جلسة عابرة، أو ملاحظة أبداها بشأن ضغوط العمل، بعدما نُقلت إلى الإدارة باعتبارها اعتراضاً أو انتقاداً للمديرين. وفيما يرى بعض الموظفين أن انتقال «عصفور المكتب» إلى قسم آخر كفيل بإعادة الهدوء إلى بيئة العمل، تبرز إشكالية أعمق تتعلق بثقافة الإدارة نفسها، إذ قد يظهر موظف آخر يؤدي الدور ذاته، ما دامت المعلومات المنقولة تمنح صاحبها اهتماماً أو نفوذاً لا يحصل عليه بالضرورة من خلال الإنجاز والكفاءة.
وتفصيلاً، روى الموظف، سالم محمد النقبي، أن نقل الأحاديث بين الزملاء إلى الإدارة قد يحوّل مواقف يومية بسيطة إلى خلافات وظيفية، خصوصاً عندما تصل المعلومات مجتزأة أو بصورة مغايرة للسياق الذي قيلت فيه، واستشهد بواقعة بدأت بنقاش بين مجموعة من الموظفين حول ضغوط العمل، وتوزيع المهام داخل القسم، قبل أن تصل تفاصيل الحديث إلى المسؤول المباشر على لسان أحد الزملاء، باعتبارها اعتراضاً على أسلوب الإدارة، ما أدى إلى استدعاء أحد المشاركين في النقاش لتوضيح موقفه، وأشار إلى أن هذه الممارسات تترك أثراً سلبياً في العلاقات المهنية، وتحول النقاشات العادية المتعلقة بالعمل إلى مصدر للقلق والحذر، وتدفع الموظفين إلى التحفظ في التعبير عن آرائهم أو مناقشة المشكلات التي تواجههم، خشية وصول كلماتهم إلى الإدارة بصورة مجتزأة أو مغايرة لما قصدوه، الأمر الذي يضعف الثقة وروح التعاون داخل المؤسسة.
من جانبها، رأت الموظفة، مروة حسين الحمادي، أن دور «عصافير المكاتب» لا يقتصر على نقل الأحاديث المتعلقة بالعمل، بل يمتد أحياناً إلى التدخل في خصوصيات الزملاء، وتتبع تفاصيل حياتهم اليومية، بدءاً من أسباب الإجازات والغياب، وصولاً إلى الخلافات الشخصية والأحاديث التي تدور خلال فترات الاستراحة، ثم نقلها إلى الإدارة رغم عدم ارتباطها بالمهام الوظيفية.
وأشارت إلى أن بعض الموظفات يفاجأن بوصول تفاصيل جلساتهن وأحاديثهن الخاصة إلى المسؤولين، ما يجعلهن أكثر حذراً في التعامل مع زميلاتهن، ويدفعهن إلى تجنب النقاشات العفوية، والاكتفاء بالأحاديث الرسمية المرتبطة بالعمل، خشية تفسير كلماتهن خارج سياقها.
وأضافت أن المفارقة تكمن في أن الموظفة التي تنقل أخبار زميلاتها قد تظهر أمام المسؤولين بصورة الموظفة الحريصة على مصلحة العمل، والمطلعة على ما يدور داخل القسم، بينما ينظر إليها بقية الموظفين باعتبارها مصدراً للقلق وفقدان الثقة، مؤكدة أن هذه التصرفات تخلق حواجز بين الزملاء، وتفقد بيئة العمل جانباً من الألفة والتعاون.
من جانبه، ذكر الموظف، راشد عبدالله الظنحاني، أن انتقال أحد الموظفين المعروفين بنقل أخبار زملائه إلى الإدارة من القسم الذي يعمل فيه، أثار ارتياحاً بين الموظفين، الذين اعتقدوا أن الأجواء ستعود إلى طبيعتها، وأنهم سيتمكنون من مناقشة شؤون العمل بحرية أكبر، إلا أنهم فوجئوا بعد فترة بظهور موظف آخر يتبع الأسلوب نفسه، ويحرص على نقل ما يدور داخل المكتب إلى الإدارة.
وأوضح أن تكرار هذا السلوك يكشف أن المشكلة لا تكمن دائماً في الموظف الذي ينقل الأحاديث، وإنما في طريقة تعامل الإدارة مع المعلومات، خصوصاً عندما تمنح ناقل الكلام اهتماماً خاصاً، أو تعتمد على رواياته في تكوين انطباعات عن بقية الموظفين، ما قد يشجع آخرين على اتباع النهج نفسه أملاً في التقرب من المسؤولين وكسب ثقتهم.
وأضاف أن استبعاد «عصفور المكتب» أو نقله إلى قسم آخر لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة، ما دامت البيئة الإدارية تسمح باستمرار هذا السلوك، مؤكداً أن الحل يبدأ باعتماد الإدارة على التواصل المباشر مع الموظفين، وتقييمهم وفق أدائهم وإنجازاتهم، بدلاً من الأحاديث المنقولة، حتى لا يصبح نقل أخبار الزملاء طريقاً مختصراً للحصول على مكانة أو نفوذ داخل المؤسسة.
من جهتها، أكدت مستشارة ومدربة التنمية البشرية والإدارية، الدكتورة ليلى حبيب البلوشي، أن التعامل مع «الموظف العصفور» ينبغي ألّا يقتصر على سلوكه الفردي، بل أن يشمل البيئة التنظيمية التي تمنحه فرصة الظهور والاستمرار.
وأوضحت أن ثقافة المؤسسة تؤثر في سلوكيات الموظفين، فحين يشعر أحدهم بأن نقل الأخبار إلى المسؤول يمنحه اهتماماً أو مكانة خاصة، قد يجد في ذلك طريقاً مختصراً للتأثير، على حساب الإنجاز والالتزام المهني.
وأضافت أن بعض المديرين قد يسهمون من دون قصد في تعزيز هذه الممارسات، عندما يفضلون الاستماع إلى الروايات غير الرسمية على التواصل المباشر، أو يعتمدون على المعلومات المنقولة لتكوين انطباعات عن الموظفين، بدلاً من الاحتكام إلى مؤشرات الأداء والوقائع المثبتة.
وأشارت إلى أن هذا السلوك قد يخلق بيئة عمل يسودها الحذر، ويتردد فيها الموظفون في طرح آرائهم أو مناقشة المشكلات خشية تفسير كلماتهم بصورة سلبية، وقد يمتد تأثير ذلك إلى تراجع المبادرات والتعاون وروح الفريق.
ولفتت إلى أن المشكلة لا تُحل بالضرورة باستبعاد الموظف الذي ينقل الكلام، لأن البيئة التي تكافئ هذا السلوك قد تنتج موظفاً آخر يمارسه، مؤكدة أن الإدارة الناجحة تبني نظاماً يمنع استغلال المعلومات الشخصية، ويضمن وصول الملاحظات المهنية عبر قنوات واضحة وعادلة.
وفي الجانب التشريعي، أكدت البلوشي أن ظاهرة «عصافير المكاتب» قد تترتب عليها تبعات وظيفية، إذ يمكن أن يتعرض الموظف الذي يتعمد استغلال المعلومات التي يحصل عليها بحكم عمله للإضرار بزملائه، أو ينتهك خصوصيتهم وحقوقهم، للمساءلة التأديبية، إذا ثبت إخلاله بالواجبات الوظيفية المنصوص عليها في التشريعات واللوائح المعمول بها.
وأشارت إلى أن المادة (27) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (49) لسنة 2022 بشأن الموارد البشرية في الحكومة الاتحادية، ألزمت الموظفين بالتقيد بأعلى المعايير الأخلاقية، واحترام حقوق زملائهم، والتعامل معهم بلباقة، وأداء واجباتهم بحسن نية، والالتزام بأمن المعلومات، بما يُعزّز الثقة والاحترام داخل بيئة العمل.
وأوضحت أن القانون حدد جزاءات إدارية للمخالفات الوظيفية، تبدأ بلفت النظر والإنذار الخطي، مروراً بالخصم من الراتب الأساسي بما لا يتجاوز أجر 10 أيام عن كل مخالفة، والوقف عن العمل من دون راتب إجمالي لمدة تراوح بين شهر وثلاثة أشهر، وصولاً إلى الفصل من الخدمة مع حفظ المستحقات التقاعدية أو مكافأة نهاية الخدمة، وفقاً لجسامة المخالفة والإجراءات المعتمدة.
وفي القطاع الخاص، أجاز قانون تنظيم علاقات العمل فرض جزاءات تأديبية على العامل الذي تثبت مخالفته، تتدرج من لفت النظر الخطي إلى الفصل من الخدمة، وفقاً للضوابط القانونية.
وأكدت أن مجرد نقل الأحاديث إلى الإدارة لا يُعدّ بالضرورة مخالفة تستوجب العقوبة، إذ ينبغي التمييز بين الإبلاغ المشروع عن التجاوزات والمخالفات المهنية، واستغلال المعلومات للإساءة إلى الزملاء أو انتهاك حقوقهم، على أن تخضع أي مساءلة للتحقق من الوقائع، وضمان حق الموظف في الدفاع عن نفسه.
من جانبه، أكد المحامي المستشار القانوني، محمد العوامي المنصوري، أن ظاهرة «عصافير المكاتب» تحمل جانبين مختلفين لا يجوز الخلط بينهما؛ الأول يتعلق بنقل المعلومات إلى الإدارة، بهدف تطوير العمل، وكشف أوجه القصور وتصحيح الأخطاء، وهو سلوك مشروع يخدم المصلحة العامة، فيما يتمثّل الآخر في استغلال بعض الموظفين لعلاقتهم بالمسؤولين لنقل الأحاديث الشخصية وأخبار الزملاء، بهدف التقرب من الإدارة أو تحقيق مصالح خاصة، ما قد يحول بيئة العمل إلى ساحة للشكوك وفقدان الثقة.
وأوضح أن الإدارة تحتاج إلى معرفة ما يجري فعلياً داخل الشركة، خصوصاً عندما تتعلق المعلومات بنقص الموظفين أو تأخر إنجاز المعاملات أو ضعف مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن نقل هذه الملاحظات إلى أصحاب القرار يسهم في معالجة المشكلات، شريطة أن يكون الهدف تصحيح الأوضاع وتحسين الأداء، وليس الإساءة إلى أشخاص بعينهم.
وقال العوامي: «هناك فرق كبير بين موظف ينقل إلى المدير وجود نقص في الكوادر تسبب في تأخر معاملات المتعاملين، بهدف معالجة الخلل، وآخر ينقل أحاديث زميل فضفض له بشأن ظروفه الشخصية أو خلافاته مع الآخرين، لاستغلالها في التقرب من المدير».
وأضاف أن الإشكالية تبدأ عندما لا يستطيع ناقل المعلومات التمييز بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية، فيتوسع في نقل كل ما يسمعه، من دون مراعاة خصوصية زملائه أو طبيعة الأحاديث التي ائتمنوه عليها، لافتاً إلى أن بعض هذه الممارسات قد تعكس رغبة في اكتساب النفوذ أو الحصول على امتيازات داخل الشركة.
وأشار إلى أن المسؤول يتحمّل جانباً مهماً من المسؤولية عن انتشار هذا السلوك، إذ ينبغي أن يتعامل مع المعلومات المنقولة بقدر من التحقق والموضوعية، وأن يستفيد مما يخدم المؤسسة، من دون منح ناقل الأخبار سلطة غير رسمية على بقية الموظفين.
وحذّر العوامي من أن إعطاء الموظف الذي ينقل الأحاديث أكبر من حجمه الوظيفي قد يُحوله إلى ما يشبه «الجاسوس» داخل المكتب، فيتوسع في مراقبة زملائه وتتبع أخبارهم، الأمر الذي يزعزع الثقة بينهم، وقد يجعل بيئة العمل منفرة، ويؤثر في العلاقات المهنية، وروح الفريق.
من جانبه، أكد المحامي المستشار القانوني، أحمد الزرعوني، أن القانون الإماراتي يميّز بين الإبلاغ المشروع بقصد حماية المصلحة العامة، وإسناد وقائع أو اتهامات إلى الآخرين على نحو قد يُشكّل جريمة، موضحاً أن المادة (430) من قانون الجرائم والعقوبات نصت على أنه «لا جريمة في إبلاغ السلطات القضائية أو الإدارية بحسن نية بأمر يستوجب مسؤولية فاعله».
ولفت إلى أن المادة (428) من القانون ذاته، نظمت حالة إثبات صحة الواقعة المسندة إلى موظف عام أو مكلف بخدمة عامة، متى كانت متصلة بالوظيفة أو الخدمة، وفق الشروط التي حددها النص، مشيراً إلى أن القانون يراعي طبيعة النقد المرتبط بأداء الوظيفة العامة، لكنه لا يمنح حصانة مطلقة للإساءة إلى الآخرين أو الخوض في شؤونهم الخاصة.
وأشار إلى أن المادتين (56) و(57) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بشأن الجرائم والعقوبات تناولتا حالات انتفاء الجريمة عند أداء الواجب وفق الضوابط القانونية، موضحاً أن المادة (56) تقرر انتفاء الجريمة إذا وقع الفعل قياماً بواجب يأمر به القانون، وكان مرتكبه مخولاً بذلك قانوناً.
فيما تناولت المادة (57) الأفعال التي يرتكبها الموظف العام أو المكلف بخدمة عامة تنفيذاً لأمر صادر من رئيس مخول قانوناً بإصداره وتجب طاعته، أو بحسن نية تنفيذاً لما أمرت به القوانين.
وأكد الزرعوني أن تطبيق هذين النصين يرتبط بتوافر شروط أداء الواجب القانوني، وليس بمجرد ادعاء الموظف أنه ينقل المعلومات لمصلحة العمل، مشدداً على ضرورة الفصل بين الإبلاغ عن المخالفات بهدف تصحيحها، واستغلال أحاديث الزملاء ومعلوماتهم الشخصية لتحقيق مصالح فردية أو الإضرار بهم.
وفي ما يتعلق بإثبات واقعة «الوشاية الوظيفية»، أوضح أن مجرد الشك في أحد الزملاء واشتهاره بنقل الأحاديث لا يكفيان لاتهامه أو مساءلته، إذ لابد من وجود واقعة محددة وأدلة تثبت أن الموظف المعني هو من نقل المعلومات، وطبيعة ما نقله، وما إذا ترتب على ذلك فعل مخالف للقانون أو اللوائح الوظيفية.
وشدد على أن وصف أحد الموظفين بأنه «عصفور الشركة» لا يُشكّل في حد ذاته دليلاً على ارتكابه مخالفة، مؤكداً ضرورة التمييز بين نقل المعلومات التي تساعد على تطوير المؤسسة، واستغلال الأحاديث الشخصية للإضرار بالآخرين أو خلق تكتلات وخلافات داخل بيئة العمل.
موظفون:
• «عصافير المكاتب» يتتبعون خصوصيات زملائهم وأسباب غيابهم وخلافاتهم الشخصية، وينقلون أحاديثهم الخاصة إلى المديرين.
اكتشاف المزيد من صحيفة في بي دبليو الشاملة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.