تحولت إجراءات إصدار تأشيرات الإقامة وتصاريح العمل في الدولة إلى أداة جذب رئيسة يستخدمها العديد من صنّاع المحتوى لزيادة المشاهدات وتوسيع قاعدة المتابعين بشكل سريع، مستغلين الاهتمام البالغ للأفراد والشركات بهذه التحديثات التنظيمية الحيوية.
ورصدت «الإمارات اليوم» حسابات يقدم أصحابها معلومات مجهولة المصدر، ومتضاربة، ويبثون تفسيرات واجتهادات شخصية لإجراءات وقرارات لم تصدر أصلاً من الجهات المعنية، مثل ادعاء وجود متطلبات جديدة أو شروط إضافية معقدة.
ويعمد بعض الحسابات إلى تقديم وعود زائفة بـ«تسهيل الإجراءات» أو الحصول على موافقات الجهات المعنية في وقت سريع، أو ادعاء «الموافقة المضمونة بنسبة 100%» مقابل مبالغ مالية.
من جانبها، شددت الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ، عبر موقعها الإلكتروني، على أهمية الحصول على الخدمات والمعلومات حصرياً من القنوات الرسمية المعتمدة، عبر «منصة الخدمات الذكية» التطبيق الذكي (UAEICP).
من جانبه، أكد المحامي الدكتور يوسف الشريف أن المعلومات المتعلقة بتأشيرات الإقامة وتصاريح العمل ليست مجالاً للاجتهاد أو صناعة الإثارة، لأنها معلومات تنظيمية تمس المراكز القانونية والمعيشية للأفراد والشركات، وقد يدفع المتعامل بناءً عليها رسوماً أو يتخذ قراراً بالسفر أو التوظيف أو الاستثمار.
وأوضح أن القانون يميز بين الخطأ العارض حسن النية، وبين نشر معلومة غير متحقق منها، وبين اختلاق قرار أو شرط ونسبته إلى جهة رسمية بقصد جذب المشاهدات أو تحقيق منفعة، فليس كل خطأ جريمة تلقائياً، لكن تقديم الاجتهاد الشخصي في صورة قرار رسمي، أو الاستمرار في نشره بعد نفيه، قد يرتب مسؤولية إعلامية وإدارية ومدنية، وقد يرتقي في الحالات الجسيمة إلى جريمة إلكترونية.
وأضاف أن قانون تنظيم الإعلام ألزم ممارسي الأنشطة الإعلامية والرقمية بعدم نشر الشائعات والأخبار الكاذبة أو المضللة، فيما قررت لائحة المخالفات الإعلامية غرامات تصل إلى 100 ألف درهم لنشر أخبار كاذبة أو محتوى منسوب إلى جهات على نحو غير صحيح، وتصل إلى 80 ألف درهم لنشر الشائعات والأخبار المضللة، بحسب جسامة المخالفة. كما قد تنطبق أحكام قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية متى نُشرت عبر الشبكة معلومات كاذبة أو مضللة مخالفة لما أُعلن رسمياً، وكان من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة أو الاقتصاد أو النظام العام. ولا يعفي الناشر أن يكتب «المصدر غير مؤكد» أو «العهدة على الراوي» إذا صاغ المعلومة وعنونها وروّجها بوصفها حقيقة.
وشدد الشريف على أن عدد المتابعين لا يمنح صاحب المحتوى صفة المصدر، بل يفرض عليه مزيداً من التحقق. كما أن المتضرر الذي اعتمد على المعلومة وفاته موعد أو تحمل رسوماً أو خسر فرصة عمل يستطيع المطالبة بالتعويض إذا أثبت الخطأ والضرر والعلاقة السببية.
واقترح الشريف اعتماد علامة تحقق رسمية موحدة للأخبار المتعلقة بالإقامة والعمل، وإلزام الحسابات المهنية بذكر رقم القرار وتاريخه ورابط الجهة المصدرة، مع إنشاء قناة سريعة للإبلاغ عن المحتوى المضلل وتصحيحه، «فالمواجهة لا تكون بالعقوبة وحدها، وإنما بإتاحة المعلومة الرسمية بصورة أسرع وأوضح من الشائعة».
وبدوره، أكد المستشار القانوني حسام الموافي، أن نشر معلومات غير صحيحة عن الإقامات والتأشيرات عبر المنصات الرقمية قد يحمّل صاحب الحساب مسؤولية جنائية.
وقال إن نشر المحتوى الرقمي المتعلق بإجراءات الإقامة، وتصاريح العمل، والخدمات الحكومية في دولة الإمارات يتطلب التزاماً قانونياً ومهنياً من صناع المحتوى، خصوصاً مع قيام حسابات بنشر معلومات غير مؤكدة أو مجهولة المصدر بهدف زيادة المشاهدات أو جذب العملاء.
وأوضح أن نشر المعلومات المتعلقة بالخدمات الحكومية أمر إيجابي عندما يكون مبنياً على مصادر رسمية وقرارات صادرة من الجهات المختصة، إلا أن تقديم اجتهادات شخصية أو أخبار غير دقيقة على أنها حقائق رسمية قد يؤدي إلى تضليل الجمهور، وإلحاق الضرر بالأفراد والشركات.
وأشار إلى أن بعض الحسابات يستخدم عبارات مثل «قرار جديد»، أو «شروط خاصة»، أو «طريقة مضمونة للحصول على الإقامة»، دون الاستناد إلى أي إعلان رسمي، وهو ما قد يؤدي إلى اتخاذ المتعاملين قرارات مالية وقانونية بناءً على معلومات غير صحيحة.
وأكد أن المشرّع الإماراتي وضع إطاراً قانونياً صارماً لمواجهة نشر الأخبار الكاذبة والشائعات عبر الوسائل الإلكترونية من خلال المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية.
وأوضح أن المادة (52) من القانون تعاقب كل من يستخدم الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات في نشر أو إعادة نشر أخبار أو معلومات أو بيانات أو شائعات كاذبة أو مضللة خلافاً لما تم الإعلان عنه رسمياً، إذا كان من شأن ذلك الإضرار بالمصلحة العامة أو إثارة القلق بين أفراد المجتمع.
وتصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة والغرامة التي لا تقل عن 100 ألف درهم ولا تزيد على مليون درهم.
وأضاف أن إعادة نشر المعلومات غير الصحيحة لا تعفي الشخص من المسؤولية متى كان يعلم بعدم صحتها أو ساهم في تداولها بشكل يؤدي إلى تضليل الجمهور.
وأوضح أن نشر معلومات غير صحيحة قد يتحول من مجرد مخالفة إعلامية إلى جريمة احتيال إلكتروني عندما تستخدم المعلومات كوسيلة للحصول على أموال أو منافع من الأشخاص. وعلى سبيل المثال، فقيام شخص بالترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على «إقامة مضمونة خلال فترة قصيرة»، أو «تأشيرة بدون شروط»، أو«موافقة حكومية مؤكدة مقابل رسوم»، ثم تحصيل مبالغ مالية من المتعاملين دون وجود خدمة حقيقية أو قدرة قانونية على تنفيذ تلك الوعود، قد يشكل جريمة احتيال.
وأشار إلى أن المادة (40) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية تعاقب كل من يستولي لنفسه أو لغيره على مال أو منفعة أو مستند أو بيانات باستخدام وسائل تقنية المعلومات عن طريق الاحتيال أو الخداع أو اتخاذ اسم أو صفة كاذبة، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة والغرامة التي لا تقل عن 250 ألف درهم ولا تزيد على مليون درهم. وشرح أن هذه الأفعال قد ترتبط كذلك بجريمة الاحتيال المنصوص عليها في المادة (451) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات، التي تعاقب كل من يستولي على مال الغير بطرق احتيالية أو اسم أو صفة غير صحيحة.
وأضاف أن استخدام منصات التواصل الاجتماعي للترويج لخدمات الإقامة أو العمل يجب أن يخضع لقواعد الإعلان وحماية المستهلك، ولا يجوز أن يتضمن الإعلان بيانات غير صحيحة أو ادعاءات غير قابلة للتحقق.
وأوضح أن المرسوم بقانون اتحادي رقم (15) لسنة 2020 بشأن حماية المستهلك ألزم الموردين ومقدمي الخدمات بعدم الإعلان عن السلع أو الخدمات بطريقة تتضمن معلومات كاذبة أو مضللة، أو تؤدي إلى خداع المستهلك بشأن طبيعة الخدمة أو مميزاتها أو نتائجها.
كما أن اللائحة التنفيذية لقانون حماية المستهلك وضعت ضوابط للإعلانات التجارية، ومنعت أي إعلان يحتوي على بيانات غير صحيحة أو عبارات من شأنها تضليل المستهلك.
وأشار إلى أن الإعلان عن خدمات مثل التأشيرات أو المعاملات الحكومية بعبارات مثل «مضمون 100%» أو «بدون شروط» أو «لدينا طرق خاصة» قد يمثل إعلاناً مضللاً إذا لم يكن مستنداً إلى حقيقة قانونية أو موافقات رسمية.
وأكد الموافي أن عدد المتابعين أو الانتشار الواسع للحساب لا يمنح صاحبه حصانة قانونية، فكل من يقدم معلومات للجمهور يتحمل مسؤولية التحقق من صحتها، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بحقوق الأفراد أو أوضاعهم القانونية.
وتابع أن التحول الرقمي في دولة الإمارات سهّل الوصول إلى المعلومات والخدمات الحكومية، لكنه في الوقت ذاته عزز مسؤولية كل من ينشر محتوى عاماً، مشدداً على ضرورة الاعتماد على القنوات الرسمية الحكومية والمنصات المعتمدة للحصول على المعلومات الصحيحة.
وحذر من أن نشر معلومات غير دقيقة قد يسبب أضراراً قانونية ومالية للأفراد، وقد يرتب مسؤولية قانونية إذا ارتبط بالتضليل أو تحقيق منفعة غير مشروعة.
خدمات موثوقة
كشفت الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب في دبي (إقامة دبي)، ممثلة في إدارة البحث والتحري بقطاع متابعة المخالفين والأجانب، في يونيو الماضي عن تعاملها مع ممارسات مخالفة رصدتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، تمثلت في الترويج لخدمات غير معتمدة مرتبطة بإجراءات التأشيرات والإقامة، وذلك في إطار جهودها المستمرة لحماية أفراد المجتمع، وتعزيز الوعي بأهمية الاعتماد على القنوات الرسمية للحصول على الخدمات.
ودعت «إقامة دبي» إلى الحصول على خدمات التأشيرات والإقامة عبر القنوات الرسمية والمعتمدة فقط، وعدم الانسياق وراء الإعلانات أو العروض غير الموثوقة عبر المنصات الرقمية، مع أهمية التحقق من مصادر الخدمات قبل مشاركة البيانات الشخصية أو دفع أي مبالغ مالية.
كما أكدت أهمية مواصلة التعاون والإبلاغ عن أي ممارسات غير قانونية مرتبطة بخدمات الدخول والإقامة، مشيرةً إلى أن تعزيز الوعي المجتمعي ركيزة أساسية لحماية حقوق الأفراد، وضمان حصولهم على خدمات موثوقة وآمنة، بما يدعم جهود دبي في ترسيخ منظومة حكومية متكاملة تواكب تطلعات المجتمع.
• 100 ألف درهم غرامة نشر أخبار كاذبة أو محتوى منسوب إلى جهات على نحو غير صحيح.
اكتشاف المزيد من صحيفة في بي دبليو الشاملة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
