يلجأ مستهلكون لحماية حقوقهم من خلال تصوير مخالفة ما، بقصد توثيقها، إلا أن طريقة استخدام المقطع بعد التصوير قد تنقل صاحبه من موقع المُبلّغ إلى موقع المتهم بالتشهير، إذا تبين أن الهدف هو الإساءة.
وشدد قانونيون على حق المستهلك في توثيق المخالفات، وعلى ألا يتعامل مع الهاتف باعتباره تصريحاً مفتوحاً للنشر أو تداول المقاطع مع الآخرين، مؤكدين أن القاعدة القانونية بسيطة في ظاهرها وحاسمة في أثرها، وتنص على أنه «لا تجعل المخالفة مادة للإدانة العلنية قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها»، لافتين إلى أن الفاصل دقيق جداً بين التوثيق المشروع والتشهير تحدده طريقة استخدام المقطع، والجهة التي أُرسل إليها.
وأوضحوا أن تصوير واقعة يعتقد الشخص أنها تشكل مخالفة وإرسالها إلى جهة مختصة يختلف قانوناً عن نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي أو تداولها في مجموعات «واتس أب» العائلية أو المهنية، خصوصاً إذا أُرفقت باتهامات أو عبارات تمس سمعة شخص أو منشأة، من قبيل «لا تشتروا هذا المنتج»، مؤكدين أن حق الإبلاغ لا يعني امتلاك حق مطلق في النشر أو إصدار أحكام قبل تحقق الجهات المختصة من الواقعة.
وكانت «الإمارات اليوم» نشرت تفاصيل قضية مستهلك عثر على حشرات داخل منتج معروض في أحد محال السوبر ماركت، فصوره بهاتفه، وأرسل المقطع إلى الجهات المعنية، مؤدياً واجبه في حماية المستهلكين، إلا أن إدارة السوبر ماركت قاضته ليتحول من صاحب بلاغ إلى متهم بالتشهير أمام القضاء.
وقضت محكمة أول درجة ببراءته، بينما أدانته محكمة الاستئناف وغرمته 3000 درهم، وأمرت بمصادرة الهاتف المستخدم في التصوير، قبل أن تصل القضية إلى المحكمة الاتحادية العليا، لتؤكد أن مجرد التقاط المقطع لا يكفي لقيام الجريمة، وأن الأمر يتطلب ثبوت سوء النية وقصد الإساءة أو الإضرار بسمعة الغير، مشيرة إلى أن المستهلك صوّر المنتج لاعتقاده بوجود مخالفة تستوجب إبلاغ الجهات المختصة، ولم يثبت أن هدفه كان التشهير بالمحل أو الإساءة إلى سمعته.
وقال المستشار القانوني والمحامي محمد علي الحمادي إن أهمية الحكم لا تتوقف عند براءة المتهم في الواقعة محل القضية، وإنما تمتد إلى المبدأ الذي أرسته المحكمة الاتحادية العليا، والمتعلق بحق المستهلك في توثيق المخالفات التي يشاهدها وإبلاغ الجهات المختصة بها، طالما تم ذلك بحسن نية، وفي الحدود التي تقتضيها عملية الإبلاغ.
وأضاف أن الحكم رسم فاصلاً واضحاً بين التوثيق بقصد الإبلاغ والتصوير بقصد التشهير أو الإساءة، موضحاً أن «مجرد حمل الهاتف وتصوير مخالفة لا يحوّل الفعل تلقائياً إلى جريمة، وإنما ينظر إلى النية من وراء التصوير، والغرض من استخدام المقطع، والجهة التي أرسل إليها».
وتابع أن المستهلك الذي يشاهد منتجاً يعتقد أنه غير صالح للاستهلاك، أو مخالفة تمس الصحة أو السلامة أو حقوق المستهلكين، يستطيع توثيق الواقعة في حدود الضرورة وإحالتها إلى الجهات المختصة للتحقق منها، مؤكداً أن ذلك يختلف تماماً عن نشر المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي أو تداوله بين الآخرين بقصد الإساءة أو التشهير.
وقال إن الهاتف في مثل هذه الوقائع قد يكون وسيلة لإثبات المخالفة وحماية الحق، وقد يتحول إلى أداة جريمة، والفارق بين الحالتين يحدده الغرض من التصوير، وطريقة استخدام المادة المصورة بعد ذلك.
وذكر أن المبدأ الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا يحمل رسالة مهمة إلى المستهلكين بضرورة الوعي بحقهم في الإبلاغ عن المخالفات، وفي الوقت نفسه الالتزام بالحدود القانونية لهذا الحق.
وتابع الحمادي: «إذا شاهد المستهلك مخالفة، فمن حقه توثيقها بالقدر اللازم وإرسالها مباشرة إلى الجهة المختصة، لكن هذا الحق لا يعني نشر المقطع على نطاق واسع أو تحويل البلاغ إلى وسيلة للتشهير بالمنشأة أو الأشخاص»، لافتاً إلى أن التشريعات تفرق بين تسليم دليل أو صورة إلى جهة مختصة بهدف التحقق من مخالفة، وبين استخدام الصورة أو المقطع بقصد الإساءة إلى شخص أو منشأة أو الإضرار بسمعتها، لأن الاعتداء على الخصوصية أو نشر المواد بقصد الإضرار قد يرتب مسؤولية قانونية على مرتكب الفعل.
وشرح أن المبدأ القضائي يضع أمام المستهلك ثلاثة عناصر أساسية ينبغي مراعاتها عند تصوير أي مخالفة: الهدف من التصوير، وكيفية استخدام المقطع، والجهة التي سيرسل إليها. وشدد على أن «القاعدة التي ينبغي أن يعيها المستهلك: إذا شاهدت مخالفة، وثقها في حدود الضرورة، وأرسلها إلى الجهة المختصة فقط، ولا تحول البلاغ إلى مادة للتشهير».
من جهته، قال المحامي والمستشار القانوني، عبدالله بن حاتم، إن وصف الفعل بالتشهير لا يرتبط بمجرد وجود صورة أو مقطع فيديو، وإنما ينظر إلى طريقة استخدام المادة المصورة وما يرافقها من عبارات، وحجم نشرها، والهدف من تداولها.
وأوضح أن الأمر يختلف عندما يتجاوز الشخص حدود تقديم البلاغ إلى نشر المقطع أمام الجمهور، خصوصاً إذا اقترن النشر باتهامات أو أوصاف تمس السمعة، أو استند إلى آراء واستنتاجات شخصية أو معلومات ووقائع يسردها صاحب المقطع من دون التحقق من صحتها أو ثبوتها لدى الجهات المختصة.
وأضاف أن الشخص قد يكون أمام واقعة حقيقية تستحق الإبلاغ، إلا أن ذلك لا يمنحه بالضرورة الحق في تحويلها إلى حملة ضد منشأة أو شخص، أو إصدار حكم مسبق عليهم قبل أن تتولى الجهات الرسمية التحقق من الواقعة واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وأشار إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تزيد حساسية هذه الوقائع، لأن المقطع قد ينتشر خلال ساعات إلى آلاف الأشخاص، بما قد يترتب عليه ضرر لا يمكن تداركه بسهولة، حتى إذا ثبت لاحقاً أن بعض المعلومات المنشورة لم تكن دقيقة.
وأكد أن الفارق الأساسي يتمثل في أن «المبلغ يضع ما لديه من دليل أمام الجهة المختصة، بينما من ينشر أمام الجمهور يتحمل مسؤولية ما ينشره وما يرفقه به من عبارات واتهامات».
وبيّن أن التطور التقني وانتشار الهواتف الذكية جعلا التصوير جزءاً من الحياة اليومية، لكن سهولة تسجيل أي واقعة لا تعني أن استخدامها لاحقاً يخلو من المسؤولية.
وأشار بن حاتم إلى أن حسن النية لا يقاس بمجرد قول الشخص إنه كان يريد الإبلاغ، وإنما يستدل عليه من ظروف الواقعة وطريقة التصوير وما فعله بالمادة بعد ذلك والجهة التي أرسلها إليها. وشدد على أن المستهلك لا يحتاج إلى الامتناع عن توثيق المخالفات خوفاً من المساءلة، لكنه في الوقت نفسه ينبغي ألا يتعامل مع الهاتف باعتباره تصريحاً مفتوحاً للنشر والتشهير.
وبيّن أن «القاعدة التي يرسيها الحكم تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها حاسمة في أثرها: لا تجعل من المخالفة مادة للإدانة العلنية قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها».
بدورها، قالت المحامية والمستشارة القانونية، سارة البقيشي، إن التوثيق يبقى في إطار الاستخدام المشروع عندما يرتبط بحاجة حقيقية إلى إثبات واقعة أو حالة، ويتم بالقدر الضروري فقط، على أن تقدم الصورة أو المادة المصورة إلى جهة الاختصاص للتحقق منها، لا أن تنشر على الملأ أو تتداول بين الأشخاص، بما في ذلك عبر «القروبات» العائلية أو أو غيرها من قنوات التواصل الخاصة.
وأضافت أن من الأمثلة على ذلك تصوير منتج تظهر عليه علامات تلف أو فساد، أو مخالفة تتعلق بالصحة والسلامة، أو حالة يحتاج المستهلك إلى إثبات وجودها ضمن شكوى رسمية.
وأوضحت أن المستهلك ينبغي أن يقتصر في التصوير على محل المخالفة بقدر الإمكان، ويتجنب تصوير أشخاص أو بيانات خاصة لا علاقة لها بالبلاغ، خصوصاً إذا لم تكن هناك حاجة إلى إظهارها أمام الجهة المختصة.
وأشارت إلى أن وجود صورة أو مقطع لا يمنح صاحبه حرية مطلقة في نشره، إذ يوجد فرق بين استخدامه كدليل في شكوى رسمية، واستخدامه محتوى عاماً على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأكدت البقيشي أن أفضل وسيلة لحماية صاحب البلاغ تتمثل في الاحتفاظ بالمادة، وتوثيق توقيت ومكان الواقعة، وإرسالها مباشرة إلى الجهة المعنية، وترك مهمة التحقق من المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية للسلطات المختصة.
• 3 عناصر ينبغي مراعاتها عند تصوير أي مخالفة: الهدف من التصوير، وكيفية استخدام المقطع، والجهة المرسل إليها.
اكتشاف المزيد من صحيفة في بي دبليو الشاملة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.