اشراق العالم 24 متابعات عالمية عاجلة:

نقدم لكم في اشراق العالم24 خبر “إمبراطوريات متخيلة ودولة "كأنها لم تكن".. تاريخ الثورة في صعيد مصر”

ترسم الرواية السائدة لتاريخ مصر الحديث معالم حقبة تاريخية تزعم أن حوادثها معروفة ومعالمها واضحة، حيث يُنسب تأسيس مصر الحديثة إلى “الباشا” محمد علي، الذي أقام جيشا حديثا وشيد البنية التحتية والمباني والطرق التي أعادت لمصر مكانتها بين الأمم بعد قرون من الركود. أما القاهرة، فهي في هذه الرواية المبتدأ والمنتهى، تمثل مركز النضال ضد مختلف أشكال الاحتلال التي مرت على البلاد.

ويظهر الصعيد في هذه السردية التاريخية خلسة أحيانا، إذ تُستحضر مقاومة مدنه وقراه للحملة الفرنسية، كما أشار إليها المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي في تأريخه للحركة القومية، ويُذكر دوره في ثورة 1919. ومع ذلك، يظل الصعيد مهمشا في السردية التاريخية المصرية، وتُغفل الفترة التي بلغ فيها ذروة النفوذ السياسي والاقتصادي تحت حكم الأمير همام في خمسينيات القرن الـ18 وستينياته.

وعلى خلاف الرائج، تقدم الأكاديمية والباحثة المصرية ذات الأصول القناوية، زينب أبو المجد، نقدا لهذه النظرة التاريخية السائدة، وتصفها بأنها رواية انتقائية خطتها البورجوازية القاهرية، متأثرة بروايات المؤرخين الاستعماريين. وتركز هذه السردية على القاهرة بوصفها مركز الدولة ونهضتها، والسياسة والاقتصاد والثقافة، بل حتى العصيان. وصدر الكتاب باللغة الإنجليزية عن دار نشر جامعة كاليفورنيا عام 2014، بعنوان “إمبراطوريات متخيلة.. تاريخ الثورة في صعيد مصر” (Imagined Empires, A History of Revolt in Egypt)، وهو في الأصل أطروحة الدكتوراه التي قدمتها أبو المجد لجامعة جورج تاون الأميركية.

ويتناول الكتاب موضوعا نادر الطرح في الدراسات التاريخية المصرية، سواء المكتوبة بالعربية أو باللغات الأجنبية، حيث تجادل أستاذة التاريخ في كلية أوبرلين بولاية أوهايو بأن للصعيد سردية مختلفة مع الإمبراطوريات المتعاقبة التي حكمت مصر منذ القرن الـ16: العثمانية، الفرنسية، إمبراطورية محمد علي، الهيمنة البريطانية غير الرسمية، وصولا إلى الاحتلال البريطاني الرسمي عام 1882.

وتمضي الباحثة في تقديم رواية تاريخية بديلة للصعيد، معتمدة على التنقيب في مئات الوثائق منذ القرن الـ16، مثل المكاتبات الرسمية، وقضايا المحاكم الشرعية، وسجلات الأحكام. وتُظهر قراءة المؤلفة لهذه الوثائق أن الإمبراطوريات الاستعمارية التي مرت بجنوب مصر عملت على تهميشه عمدا. ودعمت تلك الإمبراطوريات فكرة مركزية القاهرة، وسعت لإخضاع الصعيد بالقوة تحت هيمنة “النخب الشمالية” التي استفادت من رضا الإمبراطوريات عنها. وأسفرت هذه السياسات عن تدهور متلاحق لمجتمعات الصعيد، تمثل في إهمال الزراعة والري، وظهور أزمات بيئية متكررة مثل تفشي الطاعون والكوليرا، بحسب مقدمة الكتاب.

الإمبراطورية كوحدة تحليلية

ينقسم الكتاب إلى 5 فصول، مقدمة عامة، وخاتمة. تنطلق الكاتبة من وحدة التحليل الخاصة بالإمبراطورية، أي القوى الاستعمارية التي شدت رحالها إلى الصعيد عنوة رغم إرادة أهله، وتركز على السياسات الفاشلة التي طبقتها في الصعيد.

لم يجلب حضور الإمبراطورية الفرنسية في الصعيد إلا الوبال (غيتي)

وتتناول مقدمة الكتاب رؤية المؤلفة لتطبيق مفهوم “الإمبراطورية” على الصعيد، حيث ترى أن الإمبراطوريات المتعاقبة جاءت إلى جنوب مصر تحمل مزاعم بالكفاءة والقدرة على تحويله إلى منطقة نفعية، لكن الوقائع أثبتت العكس. وفشلت هذه الإمبراطوريات في تحقيق أهدافها، وأدى هذا الفشل إلى تدمير بيئي كبير تمثل في العبث بنظم الري والزراعة المستقرة، وخلّف وراءه أوبئة فتاكة مثل الطاعون والكوليرا. علاوة على ذلك، أدى فشل الإمبراطوريات إلى نشوب حركات تمرد واحتجاجات واسعة في قنا، قادها المهمشون من الفلاحين والنساء والعمال، بالإضافة إلى مطاريد الجبل.

وتُبرز المؤلفة في الفصل الثاني مثالا على هذه التداعيات، حيث تُشير إلى أن الطاعون لم يزر صعيد مصر طوال 5 قرون منذ الوباء الكبير في القرن الـ14. لكن في نهاية القرن الـ18، أدى التدخل العثماني إلى انتقال الطاعون من الوجه البحري إلى الصعيد. ثم جاءت الإمبراطورية الفرنسية لتُجلب موجة ثانية من هذا “الطاعون الإمبريالي”، مضاعفة المعاناة التي خلفتها السياسات العثمانية.

وتخصص المؤلفة الفصول اللاحقة لتحليل تاريخ الصعيد تحت سيطرة 5 إمبراطوريات متعاقبة، رسمية وغير رسمية، منذ القرن الـ16. ففي الفصل الأول، تستعرض “نظام الدولتين” الذي ظهر خلال بعض سنوات العصر العثماني، مع تركيز خاص على دور الأمير همام وعلاقته بالمماليك والسلطان العثماني. أما الفصل الثاني، فيتناول الاحتلال الفرنسي لمصر والصعيد على وجه الخصوص، مسلطا الضوء على الدمار البيئي والعلاقات المتوترة بين الفرنسيين وسكان الصعيد من قبائل وأقباط.

ويتناول الفصل الثالث سياسات محمد علي تجاه الصعيد، وظهور أشكال المقاومة، سواء عبر الانتفاضات الشعبية الكبرى مثل تلك التي حدثت في قنا عام 1820، أو من خلال عنف “مطاريد الجبل”. ويكشف الفصل الرابع النقاب عن الثورة الصعيدية الكبرى في قنا عام 1865 خلال حكم الخديوي إسماعيل، وهي حادثة لم تحظ بالاهتمام الكافي في الدراسات التاريخية.

أما الفصل الخامس، فيناقش الاحتلال البريطاني وتفاقم السخط الشعبي ضد سياساته، التي أدت إلى انتشار وباء الكوليرا في الصعيد. وتختتم المؤلفة الكتاب بخاتمة تربط بين الولايات المتحدة كآخر الإمبراطوريات “المتخيلة”، وحضورها الفاشل في الصعيد، معتبرة أن ذلك ساهم، إلى جانب عوامل أخرى، في إشعال شرارة ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

دولة القبيلة والأمير همام

يحلل الفصل الأول الصعود الكبير للفاعل الاجتماعي الأبرز في الصعيد، وهو “القبيلة”. ودورها في تأسيس دولة حكم ذاتي بقيادة الأمير همام في القرن الـ18. وفي هذا الفصل، تستقصي أبو المجد استنادا لمجموعة واسعة من المصادر -لم يسبقها أحد إليها- طبيعة دولة الأمير همام، والأحلاف السياسية التي عقدها، وطبيعة علاقاتها مع العثمانيين.

كان شيخ العرب همام ملجأً للفقراء والأمراء ومحط رحال الفضلاء والكبراء... وقد جمع فيه من الكمال ما لم يكن لغيره
شيخ العرب همام كان ملجأ للفقراء والأمراء ومحط رحال الفضلاء والكبراء. وقد جمع فيه من الكمال ما لم يكن لغيره (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي)

ويُقدم الفصل صورة متعمقة لدولة الحكم الذاتي التي أسسها شيخ العرب الأمير همام، إحدى الشخصيات التي لم تنل حظها الكافي من الدراسة والبحث في التاريخ المصري، رغم الأثر البالغ الذي تركه. وظل الأمير همام مجهولا لفترة طويلة، على الرغم من أن تاريخه حافل بالأحداث والإنجازات التي يصعب تجاهلها.

وأسس الأمير همام نظاما أوليا لدولة عادلة، تمتع فيها الفلاحون بقدر من الرفاهية الاقتصادية، وحقق الأقباط فيها درجة عالية من المساواة، وخلصهم من بطش عسكر المماليك واستبدادهم. ويظهر التحليل أن الأمير همام استطاع بسط نفوذه على إقليم الصعيد بأكمله، وبنى شبكة تحالفات سياسية ذكية شملت السلطان العثماني في الأستانة.

ويُبرز المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” تفاصيل دقيقة عن حياة شيخ العرب “عظيم بلاد الصعيد”، مسجلا أفعاله وتحالفاته، مثل تحالفه مع أمير الحج “الأمير الكبير صالح بك القاسمي”، وصراعاته مع طوائف المماليك المنافسة، وعلى رأسها علي بك الكبير. ولم يغفل الجبرتي جوانب أخرى من حياة الأمير همام، مثل دعمه للعلماء ورعايته لهم، حيث ذكر على سبيل المثال عنايته الخاصة بالشيخ علي بن صالح بن موسى المالكي، مفتي فرشوط. كما وصف الأمير بأنه كان ملاذا للفقراء ووجهة للفضلاء والكبراء، مؤكدا على أخلاقه الكريمة وصفاته القيادية، بحسب المقدمة.

ولا تكتفي المؤلفة بقراءة ما كتبه الجبرتي، بل توسع نطاق تحليلها باستخدام مصادر حديثة، مثل مؤلف ليلى أحمد عبد اللطيف “الصعيد في عهد شيخ العرب همام” (1987)، الذي يُعد من الأعمال الرائدة حول هذه الشخصية. كما تعتمد على شهادات الرحالة الأجانب الذين قابلوا الأمير شخصيا، مثل جيمس بروس في كتابه “رحلات لاستكشاف منابع النيل”، وريتشارد بوكوك في مؤلفه “وصف بلاد الشرق وبلاد أخرى”. وتسلط هذه المصادر الضوء على النفوذ الاقتصادي والتجاري للأمير همام، مما يقدم صورة شاملة عن عصره ودوره في التاريخ المصري.

كانت دولة الأمير همام تتويجًا بشكل أو بآخر لنهضة الصعيد التجارية والثقافية في العصر الوسيط
دولة الأمير همام كانت تتويجا بشكل أو بآخر لنهضة الصعيد التجارية والثقافية في العصر الوسيط (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي)

وحتى بعد سقوط دولة الهوارة، ظل حضور الأمير همام طاغيا في الذاكرة التاريخية. وعندما دخل الفرنسيون مصر، كما يناقش الفصل الثاني، كانت لديهم صورة راسخة عن هذا الرجل الأسطوري. وسجّل دومينيك فيفانت دينون، الرسام والنحات والكاتب الذي رافق حملة نابليون بونابرت إلى مصر، ملاحظاته عن الأمير همام في كتابه المرجعي “رحلة إلى مصر العليا (الصعيد) والسفلى (الدلتا)”.

وبعد انسحاب الفرنسيين من مصر عام 1801، حاول المعلم يعقوب، قائد “الفيلق القبطي” الذي حارب إلى جانب الفرنسيين، الترويج لفكرة استقلال مصر عن السلطنة العثمانية. ورغم أن يعقوب لم يتمكن من الوصول إلى أوروبا، حيث توفي على متن السفينة الإنجليزية “بالاس” أثناء مغادرته مصر، واصل مرافقه تيودور لاسكاريس المهمة. وأشار لاسكاريس إلى حكومة مستقلة “عادلة ووطنية” في القاهرة، مُشبّها إياها بحكومة الشيخ همام في الصعيد.

وفي ثلاثينيات القرن الـ19، جاء ذكر آخر لدولة همام من قبل رفاعة الطهطاوي، الذي استشهد بـ”الجمهورية الهمامية الالتزامية” كمثال مقرب لفهم النظام السياسي الجمهوري الفرنسي، في إشارة إلى العدالة التي كانت تتسم بها حكومة الأمير همام.

وشكلت دولة الأمير همام ذروة نهضة الصعيد التجارية والثقافية في العصور الوسطى. ويكمن سر صعود نظام الهوارة، منذ عصر المماليك وحتى العهد العثماني، في الموقع الجغرافي الإستراتيجي للصعيد. ولعبت مدينة قنا دورا بارزا في النظام الاقتصادي العالمي للمحيط الهندي، حيث ربطت طرق التجارة بين البحر الأحمر، شرق أفريقيا، وشبه الجزيرة العربية. وكانت موانئ مثل عيذاب والقصير بوابات للتجارة التي وصلت إلى مدن مثل قوص وإسنا.

ولكن الإمبراطورية العثمانية ووكلاءها من المماليك لم يتركوا هذه الدولة على حالها. وأدى التآمر والخيانة إلى سقوط الحكم الذاتي لدولة همام. ويلخص المؤرخ الجبرتي هذه النهاية المؤسفة في جملة مؤثرة: “زالت دولة شيخ العرب همام من بلاد الصعيد من ذلك التاريخ كأنها لم تكن”.

أصول تهميش الصعيد

وشكلت نهاية دولة الأمير لحظة مفصلية في التاريخ الحديث للصعيد. فبعد انهيارها، دخل الصعيد في مرحلة طويلة من التهميش والإقصاء والقمع بلا حدود. وما الصورة التي رسمها الجبرتي مع إبراهيم باشا إلا نسخة للتعامل اللاحق مع الصعيد، تهميش يصاحبه القمع، ثم تهميش بأمر القانون والمؤسسات. ويمكن القول بناء على قراءة الكتاب إن اللحظة التاريخية الممتدة لتهميش الصعيد تجد جذورها في أوائل القرن الـ19 من خلال سياسات دولة محمد علي وبناء الدولة القومية ومحاولة إدماج الصعيد بالقوة ليخدم الدولة القومية (محور الفصول الثالث والرابع والخامس).

يحلل الفصل الأول الصعود الكبير للفاعل الاجتماعي الأبرز في الصعيد، وهو "القبيلة". ودورها في تأسيس دولة حكم ذاتي بقيادة الأمير همام في القرن الثامن عشر. في هذا الفصل، تستقصي أبو المجد استنادًا لمجموعة واسعة من المصادر -لم يسبقها أحد إليها- طبيعة دولة الأمير همام، والأحلاف السياسية التي عقدها، وطبيعة علاقاتها مع السلطان العثماني في الآستانة
الاحتجاجات من قنا ضد حكم محمد علي، ممثلة في ثورة 1824 خرجت عندما خرج الشيخ أحمد ضد حكم محمد علي، وهي حادثة يلفها الغموض في التاريخ المصري (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي)

ويتناول الفصل الثالث تحليل علاقة دولة محمد علي باشا بالصعيد، موضحا أن الباشا، الذي وصل إلى الحكم في القلعة عام 1805، احتاج إلى 7 سنوات كاملة لبسط سيطرته على الصعيد. فقد عهد محمد علي بمهمة إخضاع الصعيد إلى ابنه إبراهيم باشا، الذي كان حينها في الـ20 من عمره. وتشير المؤلفة إلى أن الصعيد كان بمثابة البداية العسكرية المظفرة لإبراهيم باشا، الذي واصل مسيرته الاستعمارية لاحقا في السودان والحجاز والشام.

وكان الصعيد بالنسبة لمحمد علي مستعمرة داخلية، جُرّدت مواردها لخدمة مشروعاته الطموحة. واستقدم الباشا خبراء أجانب لإدارة مشروعات جديدة مثل التنقيب عن الفحم والكبريت، معتمدا على نظام السخرة الذي استغل الأهالي كوقود لهذه المشروعات. ولم يقتصر الأمر على العمالة القسرية، فقد استوطن الباشا نخبة تركية في قنا، حيث استحوذوا على الأراضي الزراعية الكبرى (الجفالك والأبعديات)، مما زاد من تهميش الأهالي المحليين واستغلالهم.

لكن قنا لم تقف موقف السكون تجاه هذه التغيرات. وشهدت المدينة احتجاجات كبرى، أبرزها ثورة 1824 التي قادها الشيخ أحمد ضد حكم محمد علي، وهي حادثة غامضة قلما حظيت باهتمام المؤرخين. ومع خلفاء محمد علي، ازداد إقصاء الصعيد بفعل تغييرات عالمية وإقليمية، كان أبرزها انهيار النظام الاقتصادي للمحيط الهندي، الذي كان الصعيد جزءا مهما منه، وانتقال مركز القوة الاقتصادية إلى أوروبا.

وبرزت بريطانيا كقوة إمبريالية غير رسمية، حيث فرضت هيمنتها الاقتصادية على مصر دون احتلال عسكري مباشر، تحت شعار “التحديث” وتطبيق سياسات “اقتصاد السوق الحرة”. هذا التدخل كان كارثيا على الصعيد. وأجبر البريطانيون النظام الحاكم في مصر على فتح أسواقها أمام السلع البريطانية، مما خلق علاقة تبعية اقتصادية. وازداد التركيز على زراعة القطن طويل التيلة في الدلتا، خاصة مع ارتفاع أسعاره خلال الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، وتحولت الدولة إلى كيان يخدم زراعة هذا المحصول فقط، مهملة بقية المناطق والمحاصيل.

وترتب على ذلك ظهور طبقة زراعية جديدة من الأثرياء المصريين والأتراك بفعل إصلاحات سعيد باشا (1854-1863) وإسماعيل باشا. لكن تطورا آخر زاد من عزل الصعيد: السكك الحديد. ورغم أن التاريخ الرسمي يمجد خطوط السكك الحديد الأولى في أفريقيا والشرق الأوسط التي بدأت عام 1851 وافتُتحت عام 1856، فإنها صُممت لخدمة الدلتا ونقل القطن بين القاهرة وموانئ البحر المتوسط. أما الصعيد، فقد ظل معزولا، ولم تحصل قنا على خط سكك حديدي إلا في أواخر القرن الـ19.

وتشير المؤلفة إلى أن هذه التحولات الاقتصادية والبنية التحتية، التي افتُخِر بها تاريخيا، عززت الفجوة بين الوجه البحري والصعيد، وكرست تهميش الأخير في السياسات الاقتصادية للدولة.

لم يقف الصعيد مكتوف الأيدي، فقد أشعلت سياسات التهميش العصيان لدى الفلاحين المعترضين (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي)
الصعيد لم يقف مكتوف الأيدي، فقد أشعلت سياسات التهميش العصيان لدى الفلاحين المعترضين (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي)

وتُبرز المؤلفة كيف لعبت إصلاحات الخديوي إسماعيل القانونية دورا محوريا في تعميق تهميش الصعيد سياسيا. فمنذ تشكيل مجلس شورى النواب عام 1866، هيمن كبار ملاك الأراضي الزراعية في الدلتا على تركيبته، مما منح الشمال ميزة إضافية في فرض رؤيته على الأجندة التشريعية. ومن خلال مسح شامل لأعضاء البرلمان ومضابط جلساته، ترصد أبو المجد كيف كان القطن حاضرا دائما في المناقشات، بينما تجاهل البرلمان احتياجات الصعيد. وجاء تطوير شبكات السكك الحديد نموذجا آخر لهذا التجاهل، حيث توسعت الشبكات في الدلتا والإسكندرية لنقل القطن إلى الموانئ، في حين ظل الصعيد محروما من هذه التقنيات الحديثة لسنوات طويلة، مما عزز عزلته عن الدولة المركزية، وجعله يبدو وكأنه “مكان بعيد لا ينتمي للعالم الآخر”.

وتقدم المؤلفة مقارنة بين حادثتين عكستا عمق التهميش الذي عانى منه الصعيد. ففي الوباء الأول للكوليرا خلال عهد محمد علي (1831-1846)، نجا الصعيد، بل استقبل سكان العاصمة الهاربين من المرض. أما في الوباء الثاني أواخر القرن الـ19، فقد انتشر المرض في الصعيد، وأدى إلى فناء قرى بأكملها، بسبب انشغال الإمبراطورية غير الرسمية بعملها في الشمال وتجاهلها للجنوب.

لكن الصعيد، رغم معاناته الطويلة، لم يقف مكتوف الأيدي. ودفعت سياسات التهميش أهله إلى التمرد، حيث أشعلت احتجاجات الفلاحين على سلب أراضيهم، ورفض العمال لنظام السخرة، وكفاح النساء للحفاظ على حيازاتهن الزراعية، جذوة العصيان. وفي هذا السياق، تبرز الثورة الكبرى التي قادها الشيخ أحمد الطيب عام 1865، حيث نجح في حشد آلاف الفلاحين ضد حكم إسماعيل باشا، كنموذج بارز للمقاومة الشعبية.

ويلقي الكتاب الضوء على نمط آخر من العصيان، تمثل في الجرائم ذات الطابع السياسي. وتتناول المؤلفة قضايا العصابات التي تحدت الحكومة وهددت الأمن، سواء من خلال استهداف الأجانب أو مواجهة موظفي البيروقراطية والنخبة المحلية. وعلى مدار 5 قرون، سجلت الوثائق الرسمية حضور هذه العصابات التي عُرفت بأسماء متعددة، مثل “الفلاتية”، و”الأشقياء”، و”مطاريد الجبل”، والتي أضفت طابعا متواصلا من التمرد في الصعيد.

وما يميز الكتاب هو اعتماده على وحدة التحليل “الإمبراطورية” لفهم تاريخ الصعيد خلال القرون الأخيرة. من خلال تناول الحوادث التي لم تحظ بتغطية كافية، يعيد الكتاب قراءة تاريخ الصعيد بوصفه جزءا مهمشا من المشروع الوطني. ورغم ذلك، لا يدّعي الكتاب وجود “هوية صعيدية” متمايزة تماما عن بقية مصر. القضية المركزية هي الكشف عن الأصول التاريخية لتهميش الصعيد، ومحاولة الإجابة عن أسئلة محورية: لماذا يُعد الصعيد أفقر بقاع مصر؟ لماذا لم ينمُ بالتوازي مع القاهرة والدلتا؟ ولماذا تحمل الصعيد العبء الأكبر لبناء الدولة القومية المصرية منذ عهد محمد علي باشا؟


الجدير بالذكر أن خبر “إمبراطوريات متخيلة ودولة "كأنها لم تكن".. تاريخ الثورة في صعيد مصر” تم نقله واقتباسه والتعديل عليه من قبل فريق اشراق العالم 24 والمصدر الأصلي هو المعني بما ورد في الخبر.
اشترك في نشرة اشراق العالم24 الإخبارية
الخبر لحظة بلحظة
اشرق مع العالم

اقرأ على الموقع الرسمي


اكتشاف المزيد من في بي دبليو الشامل

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من في بي دبليو الشامل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

عاجل