ما قاله صلاح البيلي في كتابه الجديد “أحمد مستجير فارس الثقافتين”

اشراق العالم 24 متابعات ثقافية:
صدر حديثًا للزميل الكاتب الصحفي، صلاح البيلي، مدير تحرير مجلة المصور، كتابه الأحدث (أحمد مستجير، فارس الثقافتين)، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وذلك بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث تم اختيار د. مستجير شخصية المعرض، والكتاب يضم مقدمة وتسعة فصول، هي على الترتيب، (عزف ناي قديم، أول ديوان شعري لمستجير، وحوار حول نظريته في الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي، وحوار حول الهندسة الوراثية والاستنساخ، وحوار عام في العلم والحياة، وعرض للكتاب الأخطر، الربيع الصامت، وكتاب البذور الكونية، وكتاب أفكار تافهة لرجل كسول، ورواية ثلاثة رجال في قارب).
والكتاب إبحار في سيرة ورحلة د. مستجير العلمية والمهنية، ومع الشعر والترجمة، فقد أبدع شعرا ضمه ديوانين، وقدم نظرية لفهم عروض الشعر العربي بالأدلة الرياضية والرقمية، وصمم برنامجا على الكمبيوتر لفهم وتحليل قصائد الشعراء، ورأى أن الخليل بن أحمد لم يخترع بحور الشعر بل اخترعتها الأذن العربية، وهو سجلها واكتشفها، ثم استدرك تلميذه الأخفش بحر المتدارك، ورأى د. مستجير ان بحر الخبب أحدث ثورة عروضية في موسيقا الشعر العربي، وفي مجال الهندسة الوراثية قدم مستجير كل شيء عنها وعن الاستنساخ، وأرجع أغلب الأمراض لوجود جين معطوب في الجسم، ودعا لزراعة القمح والأرز والذرة على المياة المالحة، وقدم لنا تطبيقا ناجحا على ذلك، وكشف د. مستجير أن سبب حبه للعلم والأدب والده مدرس اللغة العربية، والذي كون مكتبة ضمت كتب المنفلوطى والرافعي وغيرهما، أما مستجير فقد وقع في عشق كاتبة الأدب البوليسي أجاثا كريستي، وأحب أدبها ورواياتها.
أما الكتاب العلمي الأهم الذي ترجمه لراشيل كارسون فهو (الربيع الصامت)، وهو أهم صيحة تحذير أطلقها العلماء حول خطورة آثار المبيدات والمواد الملوثة على النبات والحيوان والإنسان، ومخاطر التلوث على المناخ، أما في كتابه المترجم (البذور الكونية) فأرجع د. مستجير وجود الفيروسات والميكروبات على الأرض بأنها قادمة من الفضاء، وأنها أقدم من الكرة الأرضية، ليس هذا فحسب، بل إن بعضها مثل الحشرات تقاوم الأشعة السينية والذرية، وعليه لو نشبت الحرب الذرية، سوف يفنى الإنسان وترث الحشرات والفيروسات الأرض!
ولعشق د. مستجير للكاتب الانجليزي جيروم، ترجم له كتابين، هما، روايته (ثلاثة رجال في قارب)، و(أفكار تافهة لرجل كسول )، وهو يوميات ساخرة بأسلوب ذكي، وقد صدر الكتابان عن (دار الهلال).
يقول مؤلف الكتاب الزميل صلاح البيلي: عرفت د. أحمد مستجير سنة 1993م وتوطدت علاقتي به حتى رحيله سنة 2006م، وزرته في بيته مرارا، وعرفت أسرته، وقرأت جميع كتبه، المؤلفة، والمترجمة، وحاورته أكثر من مرة، وكنت وسيطا بينه وبينه رئيس تحرير (المصور) مكرم محمد أحمد، لنشره مقالات في مجلتنا الغراء، إنه مصري موسوعي، عاشق للغة العربية، وشاعر نشر ديوانين، وعالم بالإنجليزية، وترجم عنها أربعين كتابا، جمع في شخصيته بين الأدب والعلم، وهما جناحا التقدم لأي أمة .
ولد د. أحمد مستجير في الأول من ديسمبر سنة 1934م بقرية الصلاحات، مركز دكرنس، بمحافظة الدقهلية، وهي محافظة غنية في تربتها و ثروتها البشرية، وعن هذه النشأة الريفية يقول د. مستجير: أنحاز إلى الأرض الريفية لأني ابنها، وربما كان تفوقي في كلية الزراعة، أو ( كلية الفلاحين ) كما يحلو للبعض أن يسميها، سببه عشقي للزراعة والأرض، ولون الزرع الأخضر، وحبي للخيال الرحب، فالريف هو عشقي الأبدي، ومنبع كل الرومانسية المتأججة بداخلي.
وكما انحاز الرجل للأرض الخضراء والريف، انحاز للقلم والكتابة والإبداع، خاصة الشعر، منذ بواكيره الأولى، وذكر في مقدمة كتابه ( قراءة في كتابنا الوراثي )، الصادر عن ( دار المعارف ) .حصل د. مستجير على بكالوريوس الزراعة من جامعة القاهرة سنة 1954م، وعقب تخرجه عمل مهندسا زراعيا في أكتوبر من العام نفسه، ولمدة خمسة وخمسين يوما في ( عزبة الفؤادية )، فكانت الكتب التي اصطحبها معه لمدة شهرين هي زاده المعرفي والوجداني في عمله الجديد كمغترب بعيدا عن أسرته وناسه، ولم يكن بلغ بعد العشرين من عمره . ثم اتجه للعمل في المركز القومي للبحوث، وفي تلك الأثناء درس رسالة الماجستير في كل الزراعة حول ( تربية الدواجن)، وحصل عليها سنة 1958م، ثم عين معيدا في كلية الزرعة التي تخرج فيها.
وآنذاك راسل عالم الوراثة البريطاني الشهير ( آلان روبرتسون ) ليساعده في مشوراه العلمي في معهد الوراثة في (جامعة أدنبرة)، فابتعث إلى هناك، وحصل على دبلوم وراثة الحيوان بامتياز من تلك الجامعة سنة 1961م، فكانت المرة الأولى التي يحصل فيها باحث مصري على هذا التقدير العلمي الكبير من هذا المعهد المميز، ثم أكمل مشوارالعلمي، فحصل على الدكتوراة في ( وراثة العشائر ) تحت إشراف أستاذه (آلان روبرتسون).
كتاب مستجير
عاد د. مستجير من بعثته، وتدرج في السلك الجامعي من معيد لمدرس لأستاذ، حتى أصبح عميد كلية الزراعة في جامعة القاهرة لدورتين متتاليتين وبالتزكية، و اعتذر عن منصب وكيل جامعة القاهرة، واختار أن يتفرغ لمؤلفاته، وللبحث العلمي، ولترجماته، ولحياته الأدبية والثقافية.
كان أسلوب د. مستجير في كل ما يكتبه، حتى كتابته العلمية الجافة، أسلوبا أدبيا راقيا، رشيق العبارة، سهلا ميسرا، لا تعقيد فيه ولا زخارف، بل يقصد هدفه مباشرة، وكان متن مقالاته وكتبه متصلا دون فواصل، وفي نهاية المقال أو الكتاب، يضع المصطلحات العلمية الانجليزية وترجماتها إلى العربية مرتبة هجائيا لمن يريد أن يستزيد معرفيا .
كان د. مستجير يؤمن بأن الخيال الخصب لا ينفصل عن التفكير العلمي، وأن عشق الأدب والأسلوب الأدبي لا يتنافى مع الأسلوب العلمي، بل هما يكملان بعضهما البعض، وكان يستفزه السؤال العقيم عن علاقة الأدب بالعلم، وكان يؤكد دائما أن غالبية الابتكارات العلمية، والمنجزات الحضارية بدأت بخيال خصب، ولذلك فحاجة العالم إلى الخيال المحلق لا تقل عن حاجة الأديب أو الفنان بالمقابل كان يرى أن الأديب والفنان بحاجة إلى التفكير العلمي، والرؤية العلمية كجزء من أدواته لإثراء تجربته ورؤيته، ورأى أن تمازج الثقافتين والأسلوبين يثري التجربة الإنسانية، وكتب عدة مقالات في مجلة (الهلال) حول الثقافة العلمية والأدبية، التي كان أثارها من خمسينيات القرن العشرين الكاتب الانجليزي (س.ب.سنو).
وعندما عاد د. مستجير من بعثته العلمية إلى (أدنبرة)، وعين مدرسا في كلية الزراعة بجامعة القاهرة، كان مؤمنا بأهمية (التخطيط العلمي) لسنوات، وأهمية (المتابعة) لتنفيذ تلك الخطط تحت إشراف (أستاذ كرسي أو سنيور) كما هي العادة في الدول الأوربية المتقدمة التي تنفق بسخاء على البحث العلمي، وكان يرى أن وظيفة العالم أن يجيب على أسئلة نظرية، وأن يحل المشاكل التطبيقية المعقدة، ولذلك كان ضد سياسة (الجزر المنعزلة)، والبحث العلمي (بالقطعة)، وأجواء (الشللية) و(العشوائية) المسيطرة على حياتنا الجامعية والعامة معا.
تتنوع كتابات د. مستجير ما بين كتب علمية أكاديمية ألفها لطلبته في الكلية، وكتب علمية عامة من قبيل الثقافة العلمية، وكتب أدبية، ودواوين شعر، وترجمات أدبية وعلمية، والبداية مع كتبه الجامعية، وأبرزها: (مقدمة في علم تربية الحيوان) سنة 1966م، و(دراسة في الانتخاب الوراثي في ماشية اللبن) سنة 1969م، و(التحسين الوراثي لحيوانات المزرعة) سنة 1979م.
وفي باب الثقافة العلمية وضع كتابا في سبعة أجزاء صدرت عن (دار المعارف) ضمن سلسلة (اقرأ)، تحت عنوان واحد هو (في بحور العلم )، أما العناوين الفرعية فجاءت من الجزء الثالث هكذا: (دفاع عن العلم) و(قراءة في كتابنا الوراثي)، و(علم اسمه السعادة)، و(علم اسمه الضحك )، وأثبت في الكتابين السابقين أن السعادة مصدرها المخ، والأخير هو (الثورة البيولوجية). وقامت الهيئة المصرية العامة للكتاب بطباعة تلك المجموعة ضمن مشروعها (مكتبة الأسرة)، وكانت تباع الأجزاء السبعة معا في حزمة واحدة، بنحو جنيهين اثنين لكل كتاب.
ومن كتبه العلمية الشهيرة: (القرصنة الوراثية )، و(مظاهر الصوبة) و(الثقوب السوداء) .
ويرجع الفضل إلى د. مستجير في ابتكار نظرية جديدة في تحليل ودراسة بحور الشعر العربي، ضمها في كتابين، الأول وصدر سنة 1980م بعنوان (الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي )، والثاني صدر سنة 1987م بعنوان (مدخل رياضي إلى عروض الشعر العربي )، ومحاولته تلك تعتبر أول محاولة عربية في العصر الحديث لدراسة بحور الشعر العربي رياضيا، ومحاولة تطويع الشعر وبحوره لبرامج الكمبيوتر، حيث ذهب د. مستجير نفسه في وضع وتصميم برنامج كمبيوتر لتحليل قصائد الشعراء، وبواسطته نعرف على وجه الدقة تفاعيل القصيدة وبحرها، ومدى تطور الشاعر عبر تراكم إبداعه ومضي الزمان .
وكان د. مستجير معجبًا بالشاعر صلاح عبد الصبور، وكان التقاه وعرض عليه شعره وشجعه وأثنى عليه، ومن فرط حبه للشعر قرأ د. مستجير تراث الشعر العربي القديم والحديث، كما كان قارئا للشعر الانجليزي، وكان معجبا بأمير الشعراء أحمد شوقي، وكان يرى في صديقه الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة واحدا من أكبر شعراء مصر المعاصرين .
وأصدر د. مستجير دوانين، كان وضع أشعارهما قبل سفره في بعثته لبريطانيا، وأودعهما عند صديق له، ثم لما عاد بحث عنه، وجمعهما في كتابين هما: (عزف ناي قديم) سنة 1980م، و(هل ترجع أسراب البط )، وصدر سنة 1989م، ونشرتهما (مكتبة غريب) التي نشرت له بعض كتبه الأخرى .
جمع د. مستجير في مترجماته بين الكتب العلمية، وعلوم البيئة، وفي الأدب والفلسفة، والعلوم الاجتماعية، والوراثة والجينوم البشري، وعلوم الحيوان، وبلغت كتبه المترجمة أربعين كتابا، وهو رقم كبير لعالم جدوله مشغول تماما، إذ أنه كان أستاذا وعميدا لكلية الزراعة في جامعة القاهرة، ومحاضرا في الندوات، ومشاركا في مؤتمرات علمية محلية ودولية، وكاتبا للمقالات العلمية والأدبية في صحف ومجلات مصرية وعربية، وعضوا بأكثر من مؤسسة ومحفل علمي، كعضويته في مجمع اللغة العربية، والمجمع العلمي المصري، وعضويته في أكاديمية البحث العلمي، وفي مجلس تحرير أكثر من مطبوعة علمية .
ترجم د. مستجير في الفلسفة كتاب (بحثا عن عالم أفضل) لفيلسوف العلم (كارل بوبر )، وهو عبارة عن حصيلة ثلاثين عاما من المقالات والمحاضرات لمؤلفه، كما ترجم كتاب (الفيزياء والفلسفة والمشاكل الفلسفية للعلوم الطبيعية )، للعالم (هايسنبرج )، وكتاب (صراع العلم والمجتمع)، لدار (لنجتون)، وترجم كتاب (عقل جديد لعالم جديد) لمؤلفه (روبرت أرنشتاين وبول إيرلش).
وفي علم الوراثة ترجم كتاب (اللولب المزدوج) لأحد مكتشفي (dna )، وهو العالم (واطسون )، ثم ترجم لزميل واطسون في اكتشاف (الدنا) العالم 0 فرانسيس كريك) كتابه (طبيعة الحياة )، وصدر عن سلسلة (عالم المعرفة) في الكويت، وفي مجال الفيزياء ترجم كتاب (قصة الكم المثيرة) للعالم (هوفمان )، ثم كتاب (البذور الكونية) للعالم (فرد هويل).
وفي علوم البيئة ترجم الكتاب الأشهر للعالمة الأمريكية (راشيل كارسون )، وهو الكتاب ذائع الصيت (الربيع الصامت )، وهو أول كتاب يطلق صيحة تحذير ضد التلوث البيئي، لا سيما التلوث الناتج عن الاستخدام الجائر للمبيدات الزراعية، ونال الكتاب شهرة واسعة، وترجم بعده كتاب (البيئة وقضاياها) لمؤلفه (أوين دينيس )، وكتاب (ثقب الأوزون، تهديد الإنسان لطبقة الأوزون) لمؤلفه (جون جريين).
وفي مجال الأدب ترجم كتاب الكاتب الانجليزي (جيروم . ك. جيروم) المعنون باسم (أفكار تافهة لرجل كسول )، وهو كتاب في غاية الروعة والتشويق، وليس تافها على الإطلاق، بل يحمل أفكارا في غاية الأهمية في أسلوب جذاب جدا، والحق أن د. مستجير قد ترجم الكتاب، وكأنه صاحبه، فلا يشعر القارئ أنه يقرأ كتابا مترجما، وقد صدر عن (دار الهلال) ضمن سلسلة (كتاب الهلال )، كما ترجم د. مستجير لنفس المؤلف الانجليزي رواية بديعة بعنوان (ثلاثة رجال في قارب )، وصدرت عن سلسلة (روايات الهلال)، وهي رواية بديعة قلدها خيري شلبي وأديب الرحلات حسين قدري في كتابين على نفس المنوال حين خرجا في رحلة بحرية على حساب شركة الملاحة الحكومية في ستينيات القرن العشرين .
نال د. مستجير جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الزراعية سنة 1974م، ثم وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وفاز بلقب صاحب أفضل ترجمة علمية سنة 1993م عن كتابه (الهندسة الوراثية للجميع)، ونال جائزة (مبارك) في العلوم سنة 2001م، وحصل على جائزة الدولة التقديرية سنة 2002م، ونال عضوية الأكاديمية الملكية في السويد .
اعتز د. مستجير بعضويته في مجمع اللغة العربية منذ عام 1994م، ومن عرفه عن قرب يعرف إخلاصه وحبه للغة العربية الفصحى، واطلاعه الواسع على الشعر العربي في عصوره .
ولعل أخطر وأهم ما توصل إليه د. مستجير في مجاله الزراعي هو بحثه الناجح عن زراعة القمح والأرز على المياه المالحة، وفي الأراضي المالحة، من خلال التهجين مع نبات الغاب، وكذلك زراعته لنبات يجمع بين صفات البطاطس والطماطم، ونجاحه في تحسين سلالات الجاموس المصري، وتحسين سلالات الدجاج المصري .
وأخطر أقوال د. مستجير في جلساته الخاصة، وما عبر عنه في بعض مقالاته، هو قوله إن (الهندسة الوراثية) خير للفقراء، وسكان العالم الثالث في الجنوب قبل الدول الغربية الغنية والمتقدمة، وإنها بوسعها أن تنقذ الفقراء من أزمات مثل الجوع وندرة المحاصيل والموارد الطبيعية.
وحارب د. مستجير ما أسماه (بذور الشيطان )، وكان يقصد بها البذور التي نستوردها ولا يمكننا استنباتها مرة ثانية، ومن ثم تعتمد دول الجنوب في غذائها على المصدر الغني المتقدم !
وحذر د. مستجير وحارب فكرة (السوبر مان الأبيض )، وحذر من عنصرية الرجل الأبيض الغربي والمستعمر، وقال إن فكرة تفوق الرجل الأبيض الغربي على سكان الجنوب الفقراء، فكرة عنصرية، كما أن التمييز بين الرجل الأبيض، والأسود أو الملون بسبب اللون فقط عنصرية غربية استعمارية أيضا، وشبه تلك الدعوات بدعوة (هتلر) النازية العنصرية، حيث كان ينادي هتلر بتفوق الجنس الألماني على أوربا والعالم كله !
وحذر مرارا من خطورة استغلال منجزات البحث العلمي في الحروب لتدمير البشرية، واستغلال العالم الغربي المتقدم للعالم النامي في الجنوب بعنصرية بغيضة لا تعرف الرحمة، وكان يأخذ على بعض علماء الغرب المتقدم أنهم يتفانون في خدمة أهداف الاستعمار والاستغلال والعنصرية، بتسخير ثمار أبحاثهم لأهداف عنصرية استعمارية، دون وجود أي اعتبار أخلاقي أو قيمي بما في ذلك أخلاق العلم، وكان يرى ذلك يفتح الباب لتدمير العالم باستخدام منجزات العلم
تنوع أصدقاء د. مستجير بحسب تنوع وثراء شخصيته، وكما شاهدت بعيني، كان من زواره الدائمين في مجال تخصصه الزراعي كل من د. يوسف والي وزير الزراعة الأسبق، ود. سعد نصار الذي تولى مركز البحوث الزراعية، ثم أصبح وزيرا للزراعة، ومن مجال الصحافة، كان مرسي عطالله مؤسس (الأهرام المسائي )، ورئيس مجلس إدارة الأهرام لاحقا، والمحرر الرياضي بالأساس، صديقا له، حيث كان من خريجي كلية الزراعة، أما الشاعر المفضل والصديق الأقرب فكان الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، وكان مستجير يراه أهم شاعر مصري معاصر، كما كان معجبا بالشاعر صلاح عبد الصبور الذي التقاه وعرض عليه أشعاره وأثنى عليه، وكان مأخوذا بنزار قباني بشدة، وكان يرى أن فاروق جويدة يكرر نفسه ولم يتطور كشاعر، كما كان معجبا بالأديب د. يوسف إدريس ونجيب محفوظ، وكان معجبا بالرئيس عبد الناصر، وله آراء سلبية في الرئيس السادات، كما سمعت منه آراء سلبية في الشيخ الشعراوي وطريقته البسيطة في الدعوة !
أسريا، تزوج د. مستجير من سيدة نمساوية الأصل، كانت تعرف أصدقائه بالاسم، وترحب بهم، وتعد الشاي والقهوة والعصائر وتقدمها بنفسها مع بعض الحلويات، ثم تنسحب كالنسمة في لمح البصر، تاركة زوجها مع ضيوفه لحواراتهم العلمية والثقافية، وأنجبت له ثلاثة أبناء هم على الترتيب: (طارق )، وهو مهندس برمجيات، و(سلمى) حاصلة على الدكتوراه في اللغة الألمانية، و(مروة)، وهي تخصصت في البيولوجيا الوراثية .
عاش د. مستجير في بيته، وكان عبارة عن فيلا مكونة من دورين، في شارع الحسين بالدقي في الجيزة، ويحمل البيت رقم عشرين، وكانت تتصدره حديقة جميلة يزرعها د. مستجير بنفسه لعشقه للزراعة، وكان يطيب له أن يذهب إلى كليته (زراعة القاهرة) مشيا على قدميه، ويعود ماشيا، حتى وهو عميد للكلية،
الرحيل
ظل د. مستجير يقظا ومتفاعلا في الحياة العامة، الثقافية والجامعية، حتى كان العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان سنة 2006م ورؤيتة لمشاهد قتل النساء والأطفال، فلم يتحمل وهو الشاعر المرهف الحس، وفاجأته جلطة دماغية نقل على أثرها للمستشفى، وكان يقضي إجازته السنوية مع أسرته في النمسا فتدهورت حالته الصحية، ولقى وجه ربه عصر الأربعاء السادس عشر من أغسطس من عام 2006م، عن 72 عاما، وشيعت جنازته يوم الأحد 20 أغسطس من أمام كلية الزراعة في جامعة القاهرة حيث قضى جل عمره، ورحل هو في أوج عطائه الثقافي والأدبي والعلمي، رحمه الله تعالى .



